الشنقيطي
101
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقول ابن ميادة : وما هجر ليلى أن تكون تباعدت * عليك ولا أن أحصرتك شغول وعكس بعض علماء العربية ، فقال : الإحصار من العدو ، والحصر من المرض ، قاله ابن فارس في المجمل ، نقله عنه القرطبي . ونقل البغوي نحوه عن ثعلب . وقال جماعة من علماء العربية : إن الإحصار يستعمل في الجميع ، وكذلك الحصر ، وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء ، وممن قال بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع أبو نصر القشيري . قال مقيده - عفا اللّه عنه - لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدو كما سترى تحقيقه إن شاء اللّه ، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار . وأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال : الأول : أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه ، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير - رضي اللّه عنهم - وبه قال مروان وإسحاق ، وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل ، وهو مذهب مالك والشافعي رحمهم اللّه . وعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ما كان من العدو خاصة ، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه ، ويطوف بالبيت ويسعى ، فيكون متحلّلا بعمرة ، وحجة هذا القول متركبة من أمرين : الأول : أن الآية الكريمة التي هي قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ البقرة : 196 ] نزلت في صد المشركين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء . وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص ، فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو ، الذي هو سبب نزولها ، قطعي ، فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه . وروي عن مالك - رحمه اللّه - أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته ، وهو خلاف قول الجمهور وإليه أشار في مراقي السعود بقوله : واجزم بإدخال ذوات السبب * وارو عن الإمام ظنّا تصب وبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما ترى ، وأنه نزل به القرآن العليم الذي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز .